الطلاق والموت .. نقاط فاصلة في حياة الصغار

طفولة ، مرأة ، مجتمع

طلاق الوالدين أو موت أحدهما، مشكلتان معقّدتان لهما تأثير كبير في حياة الأبناء بغض النظر عن سنّهم، وعن أسبابهما، فإذا استثنينا مسألة موت أحد الوالدين التي ليس لأحد تدخل فيها، لأنها خارج إرادة الإنسان، فإنّ الطلاق مسألة متعلقة بقرار الوالدين، وبالعلاقة الزوجية في ما بينهما، ولا دخل للأبناء فيها.
عندما يتحوّل الطلاق إلى معركة لا ناقة للأبناء فيها ولا جمل

مهما تكن الأسباب الدافعة إلى الطلاق، وبغض النظر عن الألم العميق الناتج من موت أحد الوالدين، فإن هاتين المشكلتين تقلبان حياة الأبناء رأسًا على عقب بغض النظر عن سنّهم، وقد تسبب لهم صعابًا على المستوى النفسي ومشكلات على المستويين السلوكي والاجتماعي، فضلاً عن التأثير السلبي الواضح في أداء الأبناء المدرسي.

من هنا يرى اختصاصيو علم النفس والاجتماع، أن لا مفرّ من الآثار السلبية للطلاق والموت ووقعهما القاسي على الأبناء. فخلال قيام الزوجين بمعاملات الطلاق مثلاً، يتعرض الأبناء للكثير من التوتر، نظرًا إلى أن المحيط العاطفي يتحوّل إلى حلبة صراع تؤثر سلبًا فيهم، خصوصًا إذا تحكمت في الزوجين مشاعر الانتقام من بعضهما بعضًا، ويكون الأبناء سلاحًا يستخدمانه ليقهر أحدهما الآخر.
لذا يشدّد الاختصاصيون على أنه مهما كانت أسباب الخلافات التي أدت إلى الطلاق، على الزوجين أن يجعلا أبناءهما بمنأى عن خلافاتهما الشخصية وإلا ضاع مستقبل الأبناء بسبب معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

عند وفاة أحد الوالدين، يصاب الأبناء بحزن عميق مؤلم، ولا يستوعبون هذه الكارثة في بدايتها، ويشعرون بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، خصوصًا أن الموت يعني غياب الأب أو الأم القسري، أي غياب الحنان والعاطفة والملجأ الذي يرجعون إليه عندما يحتاجونه.
أما في حالة الطلاق، فالوالدان لا يزالان موجودين على قيد الحياة، والعلاقة بينهما وبين الأبناء اختيارية، فإما تتوطد وإما تتوتر بشكل عميق، وفق سلوك الوالدين المطلّقين مع أبنائهما.
خبر الطلاق انقلاب حقيقي على حياة الأبناء
في البداية، لا يجوز خداع الأبناء. إذ مهما كانت التدابير الوقائية والطريقة الهادئة التي أُعلن فيها خبر الطلاق، فإنه يشكل بالنسبة إلى الأبناء انقلابًا حقيقيًا على وجودهم. ولهذا فعندما يكون الانفصال حتميًا، هناك بعض المفاتيح التي تساعد الأهل في إعلان خبر انفصالهما.
الأول بديهي ولكن غالبًا ما يُهمل، وهو أنه مهما كانت سن الأبناء فإنهم يشعرون بالتوتر بين والديهم قبل إعلان خبر الطلاق، وهم يتوقعون الانفصال قبل إعلانه.
لذا من الضروري أن يجري الوالدان حوارًا مع أبنائهما في مسألة الطلاق، وأن يطرحا عليهم الأسئلة بصراحة وبساطة مثلاً: هل شعروا بالجو المتوتر في المنزل خلال الأشهر الأخيرة؟ هل فكّروا في أن والديهم لم يعودا يستمعان إلى بعضهما؟ هل هناك من بين أصدقائهم من لديه والدان مطلّقان؟ هل ظنّوا أن الشجار المتكرر بين والديهما لن يؤدي إلى الطلاق؟
فتحضير الأبناء يكون في السماح لهم بالتعبير عن خوفهم أو الصعاب التي يواجهونها بالكلام، على أن تطرح هذه الأسئلة من الوالدين مجتمعين.
فالأبناء سيتذكّرون لحظة إعلان الخبر. لذا من الضروري أن تكون هذه اللحظة متداولة ومتوقعة، وعلى الوالدين أن يتجنب كل واحد منهما إظهار نفسه ضحية، ويتخليا عن أنانيتهما، فأبناؤهما في حاجة إلى الحماية والطمأنينة في هذه المرحلة.
الأخطاء الشائعة التي يرتكبها المطلّقان

من الأخطاء التي يرتكبها الوالدان المطلّقان، تبادل اللوم كالقول مثلاً: «والدك لم يعد يحبني»، أو «أمك منشغلة عني» وغيرهما من العبارات التي تضع الأبناء في موقف يجعلهم في حالة إرباك.
كما يجب ألا يعرف الأبناء التفاصيل التي لن يفهموها، فبعضها يتخطى قدراتهم ويجب أن يبقى ضمن عالم الراشدين. وعلى المطلقَين أن يؤكدا لأبنائهما أنه إذا انتهى الحب بينهما، فإن حب الوالدين لهم دائم ولا ينتهي، وهما وإن انفصلا فإنهما سيبقيان يحبّان أبناءهما الذين في إمكانهم رؤيتهما وإن لم يعد يجمعهما منزل واحد.

وهناك خطأ فادح يرتكبه المطلّقان وربما عن غير قصد، هو جعل الأبناء يشعرون بأنهم سبب طلاق والديهم، فيشعرون بالذنب والعجز عن عدم قدرتهم على منع والديهم من هذه الخطوة.
لذا من الأفضل أن يؤكد الوالدان للأبناء أنهم ليسوا سبب الطلاق وأن قرار الطلاق نهائي لا رجعة فيه، ولا يجوز إطلاقًا أن يتوقّعوا إمكان عدول الوالدين عن قرارهما.

وفي المقابل، من الضروري أن يستطيع الأبناء التعبير عن مشاعرهم وأحزانهم وكذلك عن غضبهم واعتراضهم على قرار والديهم. وكلما كانت سن الأبناء متقدّمة، كان من السهل على الوالدين التحقق من مشاعر أبنائهما، لذا عليهما تقبل ردود فعل الأبناء مهما كانت واستيعاب تصرفاتهم. فالأطفال قد يشعرون بالآتي:

الشعور بالخسارة: يمكن انفصال الوالدين أن يعني للطفل أنه خسر ليس منزله، أي العائلة، وإنما أسلوب حياة بالكامل.
الشعور بالاختلاف: أي أنه مختلف عن غيره من الأقران.
الخوف من تركه وحيدًا: فالطفل يفكر أنه إذا كان في إمكان أحد والديه الرحيل، ربما يفعل الآخر الأمر نفسه، أي الرحيل.
الشعور بالغضب: يشعر الأبناء بالغضب تجاه أحد الوالدين أو الاثنين معًا، لأنهما السبب في انهيار علاقتهما.
الشعور بالذنب: قد يشعر الطفل بالذنب في أنه سبب في انفصال والديه مما يجعله شديد التوتر والقلق.
الشعور بالإهمال وعدم الأمان.
الشعور بالتمزق في علاقته مع والديه، فهو يجد نفسه في صراع داخلي، هل يحق له أن يفضّل أحدهما على الآخر؟
وغالبًا ما تزداد هذه المشاعر سوءًا عندما يضطر الأبناء للانتقال إلى منزل آخر، وأحيانًا ينتقلون من المدرسة التي اعتادوا ارتيادها، وغالبًا يكون السبب ماديًا وإن لم تكن لديهم مشكلات مادية في السابق.
وتنجم عن هذه المشاعر عند الأبناء مشكلات عاطفية سلوكية، وغالبًا ما تزداد هذه المشكلات تعقيدًا، إذا كان الوالدان في صراع دائم. وبالتالي يشعر الأبناء بعدم الأمان الذي يدفعهم إلى التصرف بطريقة نكوصية، وتحديدًا إذا كانوا صغار السن.
من هذه المشكلات: السلس البولي، رؤية كوابيس ليلية، شعور بالقلق الشديد، وعصيان الأوامر. وغالبًا ما تظهر هذه المشكلات قبل زيارة الأبناء أحد الوالدين وبعدها.

أما المراهقون فقد يظهرون ضيقهم وغضبهم من خلال سوء التصرف أو الانكفاء على ذاتهم والانعزال عن الآخرين، ولا يستطيعون التركيز في المدرسة، وبالتالي يتراجع أداؤهم المدرسي.
النصائح التي يسديها الاختصاصيون إلى الأهل المطلّقين

عندما يكون الطلاق ودّيًا، فإن انتقال وصاية الأبناء إلى أحد الوالدين تمر بهدوء، مما يخفف حدة توتر الأبناء فلا يمرّون في مرحلة صراع تؤثر فيهم سلبًا. لذا من الضروري تجنيب الأبناء المناخ المؤلم الذي يسود خلال مرحلة انتقال الوصاية إلى أحد الوالدين. وبعد وقوع الطلاق، على الأهل المطلّقين التصرّف على النحو الآتي:

أن يتجنب الوالدان التصرف اللئيم أثناء زيارة الأبناء لهما. فمثلا عندما يزور الأبناء والدتهم أو أباهم في أيام العطلة، على الوالدين أن يتجنبا الصراع أو اللوم أثناء لقائهم. وإذا كانا غير قادرين على السيطرة على مشاعرهما، يمكن الوالد مثلاً أن يسمح لطرف ثالث باصطحاب أبنائه إلى والدتهم أو يمكنه أن يوصلهم إلى المدرسة صباحًا، ذاكرًا لهم أن والدتهم ستأتي لتصطحبهم من المدرسة بعد الظهر.
ألاّ يبدي أحد المطلّقين انزعاجه عند زيارة الأبناء طليقه، بل على العكس يجب مساعدة الأبناء وتشجعيهم على الاتصال الدائم بأحد الوالدين. مثلاً من الضروري السماح للأبناء بالاتصال بوالدتهم أو والدهم خلال تمضيتهم أيام الإجازة عند أحد الوالدين. فهذا التصرف يسمح للأبناء بالتعبير عن مشاعرهم ويخفّف إحساسهم بالذنب بأنهم يسببون ألمًا لأحد الوالدين.
أن يتجنب الزوجان المطلقان تحويل الأبناء إلى جواسيس يقدّمون تقريرًا مفصلاً عما حدث معهم أثناء زيارتهم لأحد الوالدين، خصوصًا الأسئلة المتعلّقة بالحياة الشخصية، مثلاً من زار والدك؟ ماذا قال عني؟… ولا يجوز إطلاقًا إظهار الغضب إذا لم يعطِ الأبناء معلومات أو إجابات.
على المطلّقين ألا ينسيا أن الأبناء هم أبناؤهما معًا وليسوا لواحد منهما.
وألاّ يسألا أبناءهما ما إذا كانوا يحبون أحدهما أكثر من الآخر.
أن يناقش المطلّقان مشاكلهما بنضج وهدوء وعدم استخدام الأبناء لبعث رسائل إلى بعضهما بعضًا.
عدم الشجار في حضرة الأبناء.
عدم قول أمور للأبناء ليس في مقدورهم فهمها.
السماح للأبناء باستقبال أصدقائهم في منزل كلا الوالدين.
عدم التخطيط لمشاريع كثيرة للأبناء أثناء الزيارة بهدف استمالتهم، فالأبناء يسعدون بمجرد زيارتهم والدهم أو والدتهم. وإغداق الهدايا عليهم بهدف استمالتهم وجعلهم يقفون في صفهم، غالبًا ما يؤدي إلى استغلال الأبناء هذه المسألة وابتزاز أهلهم المطلّقين: «إذا لم توفر لي ما أرغب فيه فسألجأ إلى والدتي».
البقاء على علاقة جيدة مع «بيت حمى» كلا المطلّقين، أي الجدود.
قد يصعب على المطلقين تنفيذ هذه النصائح، ولكن عليهما المحاولة قدر المستطاع لتفادي الأخطاء، لأن الأبناء سيدفعون ثمن المشكلة وينطبق عليهم المثل القائل: «الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون».

موت أحد الوالدين

القول وداعًا لأحد الوالدين هو من أصعب الأمور التي يواجهها الإنسان الراشد في حياته، فكيف بالطفل أو المراهق؟ فمن الناحية الواقعية، عندما يعيش الوالدان حتى سن الشيخوخة، يكون لدى الراشد الوقت الكافي للاستعداد لخسارتهما.
بينما حين يموت أحد الآباء في وقت مبكر جدًا، تاركاً وراءه أبناء في سن الطفولة أو المراهقة، فإنه إضافة إلى الصدمة التي تصيب الجميع، لا يفهم الأبناء هذا الرحيل الأبدي، ويشعرون بالذعر والخوف، وتنتابهم مشاعر تتراوح بين الإحساس بالفراغ العاطفي والوحدة والذنب والغضب. أما المشاعر وردود الفعل الأكثر شيوعًا فهي: الارتباك والقلق الشديد والندم والخوف والإحباط والحنين والكآبة.

وأظهرت الأبحاث السيكولوجية، أن سنّ الإنسان تؤثر في القدرة على التعامل مع وفاة أحد الوالدين. ولخسارة أحد الوالدين في سن الطفولة أو المراهقة، أثر عميق في حياة الإنسان، فهي تؤثر في تطور شخصيته والشعور بالأمان وعلاقته بوالدته أو والده.

وقد تبين أن فقدان أحد الوالدين في سن مبكرة يضرّ بنفسية الأطفال على المدى الطويل. ولتلقّف هذه الأضرار والتخفيف من أثرها السلبي، هناك أعراض حزن سلوكية يمكن أن تكون المفتاح لمساعدة الأبناء في تخطي حزنهم.
أما أعراض الحزن السلوكية عند المراهقين والأطفال فهي:

الانسحاب والانعزال وعدم الرغبة في التواصل مع المحيط الاجتماعي.
محاولة البحث عن المتوفى، ويظهر هذا العارض عند الأطفال الذين يسألون أين «الماما» أو أين «البابا»، فيدخلون غرفة نومه بحثًا عنه أو ينتظرونه أمام الباب علّه يفتحه، أو يراقبون الشارع ليروا سيارته…
تجنب الأماكن التي تذكّرهم بوالدهم أو والدتهم المتوفاة، مثلاً لا يرغبون في زيارة المتنزه الذي اعتادوا الذهاب إليه برفقة المتوفى. وغالبًا يحدث هذا مع الأبناء المراهقين.
التغيرات في عادات الأكل. فإما رغبة في الأكل بشكل شره أو فقدان الشهية بشكل ملحوظ.
البكاء الشديد.

حزن الابن المراهق
يختبر الابن المراهق مجموعة متنوّعة وديناميكية من العواطف المتناقضة. فهو أحيانًا قد يواجه هذه التجربة كما الراشد من خلال تجنّب مشاعر الحزن أو إخفائها، وأحيانًا يكون رد فعله كما الطفل. فالمراهق عرضة للضرر النفسي على المديين القصير والطويل حين يفقد أحد الوالدين. والميل إلى سلوك المخاطرة، وعدم الاهتمام بالمدرسة ونجاحه الأكاديمي والنشاطات التي اعتاد ممارستها من المسائل الشائعة عند المراهقين الذين فقدوا أحد والديهم، ويحتاجون إلى فترة لاستيعاب خسارتهم، والتكيّف مع الوضع الجديد، أي غياب أحد أعمدة العائلة الذي يستندون إليه عاطفيًا واجتماعيًا.

ينصح علماء النفس بالسماح للطفل أو المراهق بالتعبير عن مشاعره وتوفير المعلومات عن وضعه النفسي لمتابعة حالته النفسية عندما يعود حزنه من جديد.
ووفقًا لاختصاصيي علم نفس الطفل والمراهق، فإن الأطفال أو المراهقين الذين فقدوا أحد والديهم، على المحيطين بهم أن يساعدوهم في:
قبول وفاة أحد والديهم
الكلام على الموت بصراحة يمنح كل أفراد العائلة شعورًا بالراحة، ويكون ذلك بالتحدّث بواقعية عن رحيل المتوفّى، وتحديدًا مع الطفل بين الرابعة والسابعة.
ففي هذه المرحلة، تكون قدرات الطفل على فهم الرموز والأفكار الغيبية والمفاهيم المجرّدة غير كاملة، لذا فهو يفسر كل ما يقوله الراشدون له في شكل حرفي، فعندما يقال له: «صعد والده إلى السماء»، سيفهم أن والده فعلاً صعد بإرادته وعلى قدميه إلى السماء، ولن يفهم أن روحه انتقلت إلى هناك. لذا فإن تفسيرات إضافية تساعده على توضيح الفكرة في رأسه.
مثلاً تحديد معنى عبارة «صعد إلى السماء»، يشكل واقعًا. ويمكن إذا لزم الأمر اصطحابه إلى المقبرة لوضع الزهور والصلاة على روحه. فهذه الزيارة ستسمح له بأن يتعرّف إلى مكان واقعي وملموس يجعله يفهم معنى الموت.
إذ إن الطفل لا يستطيع أن يتخيل أن للحياة نهاية، ويرتعب عندما يفكر بأن حياته وحياة من حوله يمكن أن تنتهي فجأة. كما يجب قول الحقيقة للطفل بوضوح، أي ألا يقال له إن والده أو والدته نامت ولم تستيقظ، لأن من المحتمل أن يخاف الطفل إغماض عينيه ويظن أنه إذا نام فلن يقوم، وقد يرى كوابيس مرعبة.
يجب التكلم مع الطفل بصراحة، ولكن على الراشد محاولة السيطرة على عواطفه ومشاعره، لأن من الممكن أن يخاف الطفل إذا أظهر الراشد الحزن في شكل عنيف. وهذا لا يعني ألا يظهر حزنه وإنما يحاول قدر المستطاع السيطرة عليه، خصوصًا أمام أبنائه.
وفي المقابل، قد يكون رد فعل الابن المراهق أو الابنة المراهقة إنكارًا للموت، فيجعلهما يتصرّفان وكأن شيئًا لم يحدث، بسبب الصدمة.
فالمراهق يدرك تمامًا معنى الموت، ولكن أحيانًا يفضل أن يتجاهل الحقيقة، لذا يبدو عليه أنه غير مكترث، فيما هو في الواقع يشعر بالحزن العميق والمؤلم. ويبدو هذا من الأعراض السلوكية التي ذُكرت آنفًا.

التعبير عن الحزن والألم العاطفي اللذين تسببهما خسارة أحد الوالدين
من الضروري أن يسمح للأبناء، خصوصًا إذا كانوا ذكورًا، بالتعبير عن حزنهم، ولا سيّما بالبكاء. فالمجتمع الشرقي يُشعر الابن البكر بأنه رجل وإن كان لم يتجاوز السنوات العشر. فإذا بكي مثلاً، يقال له «أنت رجل، عيب عليك أن تبكي».
وتؤدي هذه العبارة إلى أن يشعر الابن، سواء كان طفلاً أم مراهقًا، برجولته المبكرة، فيظن أن الحزن ممنوع عليه، وإن حزِن فعليه ألا يُظهر حزنه، لأن في ذلك مسًّا برجولته.
لذا من الضروري أن يعبّر جميع أفراد العائلة عن حزنهم بصراحة من دون الخوف من جرح مشاعر بعضهم. فهذا سيساعدهم على تخطي مرحلة الحزن فعلاً.

التكيّف مع عالم لم يعد فيه للمتوفى وجود
ليس من السهل التكيّف مع المحيط الاجتماعي بعد فقدان أحد الوالدين. ففي المدرسة مثلاً، يشعر الطفل بالأسى عندما يشاهد أقرانه برفقة أحد والديهم، مما قد يشعره بالنقص والحرمان والحزن العميق. وكذلك إذا قام بزيارة أحد أنسبائه، مما يزيد شعوره بالألم الذي قد يصل أحيانًا إلى حد رفض التواصل مع الآخرين.
وهذا يعكس الحزن الشديد للطفل، ولأجل تخطي هذا الحزن، يحتاج أفراد العائلة إلى مواجهة مشاعرهم والتعبير عنها بصدق، ومناقشتها مع شخص يمكن أن يوفر لهم الدعم المعنوي والنفسي.
ويمكن الأقارب مساعدة الأبناء على تخطي الحزن ومساعدتهم على التكيف مع وضعهم الجديد باحتضانهم، ولا سيّما الأخوال والأعمام، من خلال إشراكهم في المناسبات الاجتماعية، وتجنب عبارات أو نظرات الشفقة، ومحاولة التعويض عن هذا النقص، بتعزيز الشعور بالأمان العاطفي بأنهم ينتمون إلى عائلة مُحبّة ربما قد تعوّض جزءًا بسيطًا من النقص العاطفي والمعنوي الكبير الذي نتج من فقدان أحد الوالدين.