عربىمشاهير

نهاد قلعي.. عندما تموت الكوميديا حزنا على سرير المرض

لو كنت تحب السينما السورية مثلي، فالبطبع شاهدته من قبل، هو الفنان نهاد قلعي واحد من أهم نجوم الفن في سوريا عبر كل العصور، وهو ممثل وكاتب ومنتح سوري من أصول كُرديّة، اسمه الكامل نهاد قلعي الخربوطلي.

ظهر نهاد مع بدايات التلفزيون السوري، وكان ممثلا شاملا فعمل في السينما والمسرح والتلفزيون، وله عدد من الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية، والمسلسلات مع تؤامه الفني دريد لحام، حيث كون الثنائي سويا شخصيتين كوميديتين على غرار لوريل وهاردي (غوار الطوشة وحسني البورظان)  وقدما معا مجموعة من أشهر الأعمال منها على سبيل المثال لا الحصر “عقد اللولو، ولقاء في تدمر، والشريدان، وفندق الأحلام، وأنا عنتر والمليونيرة، ومسلسل حمام الهنا.

 

قصة نهاد قلعي تصلح لأن تكون مسلسل تلفزيوني لشخص يواجهه سوء الحظ أينما ذهب رغم طيبة قلبه، فمثلا بعد انتهاء الثانوية العامة قرر نهاد قلعي الالتحاق بمعهد التمثيل في القاهرة إلا أنه قبل سفره بأيام تعرض لسرقة نقوده مما أجبره على ترك السفر والعمل في دمشق، وقتها لم يكن له أي فرصة للعمل في الفن، فقرر العمل مراقب في مصنع مكرونة، ثم كاتب على الآلة الكاتبة في جامعة دمشق، وبعد 6 سنوات، قررت الجامعة نقله للعمل إداري في وزارة الدفاع، الحياة الصارمة لم تنسجم مع الفنان الذي بداخله، فقرر ترك الوظيفة، وعمل مساعد مخلص جمركي طوال خمس سنوات، ثم عمل لحسابه الخاص.

نهاد ودريد

في سنة 1946، انتسب نهاد لاستديو البرق، وشارك بتقديم مسرحية (جيشنا السوري) احتفالاً بجلاء الجيش الفرنسي عن سورية وعيد الجلاء الأول، وظل يتنقل بين الاستوديوهات، حتى أسس عام 1954 النادي الشرقي مع سامي جانو والمخرج خلدون المالح، وشق طريقه كممثل كوميدي في مسرحيات مثل لولا النساء و ثمن الحرية، وعرضهم في القاهرة، ونال استحسان النقاد والجمهور المصري.

ومع افتتاح التلفزيون العربي السوري، قدّم نهاد مع دريد لحام ومحمود جبر برامج منوعة خفيفة كوميدية وأولها كان سهرة دمشق بصحبة دريد لحام ، وفي سنة 1961، قدم دريد ونهاد اسكتش اسمه “عقد اللؤلؤ”، وأعجب المنتج نادر الأتاسي بالاسكتش وقرر تحويله إلى فيلم سينمائي وعلى حسابه الخاص وفي نفس السنة شارك نهاد في مسلسل (رابعة العدوية) ومن إخراج نزار شرابي.

 حادث نهاد المحزن

نهاد القلعي2

في منتصف السبعينيات وتحديدا سنة 1976، كان دريد مع نهاد قلعي مع الممثل والملحن السوري شاكر بريخان في النادي العائلي في باب توما بدمشق، ليستقبلوا ضيفهم الصحفي اللبناني جورج إبراهيم الخوري رئيس تحرير مجلة “الشبكة” وقتها مع محرر من الشبكة اسمه شفيق نعمة، وكان في النادي رجل غريب اسمه أميل العنيني لم يعجبه قلعي فتنمر عليه وسخر منه، فرد قلعي السخرية، لكن الرجل قام وضرب نهاد قلعي بكرسي حديد على رأسه، ثم نزل عليه ضربا، حتى أفقده الوعي، وتم نقله للمستشفى.

ووفقا لما ذكره كتاب “سينما دريد ونهاد”، للناقد السينمائي بشار إبراهيم، كان الضارب ضابط من سرايا الدفاع (وسرايا الدفاع قوى عسكرية غير رسمية رديفة للجيش السوري، ويترأسها رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد رئيس سوريا الراحل ووالد الرئيس الحالي بشار الأسد).

 رواية بشار إبراهيم

ويوثق الناقد بشار إبراهيم قصة الاعتداء قائلا: غادر دريد لحام السهرة عند منتصف الليل وانصرف ومعه جورج إبراهيم الخوري وشاكر بريخان، ثم جلس نهاد قلعي يسامر شفيق نعمة المحرر في مجلة الشبكة، ونفذت سجائر قلعي، وطلب من النادي سجائر، لكن النادل اعتذر بعدم وجود النوع الذي يطلبه نهاد، فقال من يجلس جوارهم “بورظان.. عايز سجاير.. تع لعندي”، وحسني البورظان هي شخصية قدمها نهاد قلعي في الكثير من الأعمال، فرد قلعي: “أنا ما بدي من حدا سجاير، بعدين أنا ما لي اسم معروف تناديني به ياحمار”، وقتها قام أميل من مكانه، وأمسك بكرسي، وضرب به نهاد قلعي حتى أفقده الوعي.

نهاد قلعي

وفي حديث مع مجلة “اليقظة” في مارس 1983، تذكر البورظان تلك الحادثة قائلاً: “كان ولد سكران، لكن الفرق أنه كان بلا أدب”، وسأله الصحفي هاني الحاج عن سبب الهجوم، أجاب: “لأني شتمته وقلت له: إلي اسم يا حمار”، وسافر نهاد للعلاج في لندن وتشيكوسلوفاكيا، فعاد مصابا بالشلل النصفي، منع الحركة عن ذراعه اليسرى، وجعل نطقه للحروف صعباً، وأدى هذا الأمر إلى تعرض نهاد قلعي لجلطة وهو يعرض مسرحية غربة، (لاحقا تم استبدال نهاد قلعي بالفنان تيسير السعدي)، لكن أصر دريد لحام أن يقوم نهاد قلعي بالدور عند تصوير المسرحية تلفزيونيا، فمثلها وهو يعاني شلل في اليد اليسرى، وكان الموضوع شديد الصعوبة عليه.

وكان فيلم “عندما تغيب الزوجات” آخر أعمال نهاد قلعي التي صورها بعد الشلل، ولم يكن يقوى على تحريك يده، وحلا للموقف ابتكر المخرج مروان عكاوي حلاً بجعل الرجل الذي يجسده نهاد قلعي في الحكاية مكسور اليد، ما استدعى تجبيرها وربطها.

وظل نهاد يعاني المرض والتجاهل طيلة سنواته الأخيرة وكان يسلي وقته بإنجاز قصص الأطفال المصورة لمجلة سامر اللبانية مستخدماً شخصية عمو حسني البورظان، وشخصية ياسينو التي جسدها الفنان الراحل ياسين بقوش في في عدة مسلسلات، إضافة إلى شخصية فرنسية خيالية اسمها شارلي، (بالمناسبة رحل ياسين بقوش بعد ضربه بأر بي جي لاحقا).

نهاية نهاد قلعي

وطوال فترة مرضه لم يكرمه النظام، وكان يعمل مخرج في المسرح القومي، وهي وظيفة على الورق، حيث لم يكن يذهب ولا يخرج من الأساس، وفي سنة 1984 قدم مسلسل عريس الهنا، و ويقول نهاد قلعي عند عدم وجود دور لدريد لحام في مسلسله “عريس الهنا”: “عدم دعوتي للفنان دريد في العمل الجديد الذي أكتبه حاليا هو وجود دريد خارج دمشق لانشغاله بعمل جديد، وهو راغب في العمل بمفرده، وبطبيعة الحال لم أستطع الاتصال به والحديث معه لأعرف إن كان راغبا في العمل مجددا معي، لكني على استعداد في أي وقت للعمل معه، ومستعد الآن أن أبدأ بإعادة كتابة المسلسل من جديد في حال رغب دريد العمل مرة ثانية والعودة مجددا.

نهاد قلعي 3

باع قلعي كل شيء يملكه ليعالج نفسه من مرض الشلل، حيث كان التلفزيون يرفض الكثير من الأعمال التي يكتبها، وفي نهاية المطاف قدم له مسلسل عريس الهنا سنة 1984، وهو آخر أعمال نهاد قلعي كممثل، من بعد مسرحية غربة، وعانى قلعي من نكران كل المحيطين به، وتوفي سنة 1993م اثر نوبة قلبية عن عمرناهز 73سنة.

وفي عام 2008 منحه النظام اسمه وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، وتم تسمية حارة في المهاجرين باسمه من قبل محافظة دمشق، وعن حياته الشخصية كان قلعي متزوجا من السيدة نبيهة عنتبلي وله منها ولدان بشار ومها، ويعمل بشار مهندس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
google-site-verification: google936a342e4f2ea326.html